الشيخ محمد النهاوندي

562

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

والعقائد الباطلة ، أو مع النّيات السّيّئة بالنسبة إلى غير المؤمن . وعلى هذا يكون قوله تعالى : فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وعدا بالمغفرة لمن تاب وآمن ، فلا يواخذ بنيّته المعاصي الجوارحيّة ، ما لم يقترفها ، وقوله : وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ تعذيبه ، وعيدا لمن مات على الكفر والعقائد الباطلة . في الاستدلال على العفو عن النيات السيئة المجرّدة عن العمل وممّا يدلّ على العفو عن نيّات السوء ، وعدم المحاسبة بها ، قوله صلّى اللّه عليه وآله في الرّواية السابقة : « إنّ اللّه تجاوز عن امّتي ما حدّثوا به أنفسهم ، ما لم يعملوا ، أو يتكلّموا به » « 1 » . فإنّه نصّ صريح في عموم العفو للنيّات والإرادات المجرّدة عن العمل . ورواية ابن عبّاس : أنّ اللّه تعالى إذا جمع الخلائق يخبرهم بما كان في نفوسهم ، فالمؤمن يخبره ثمّ يعفو عنه ، وأهل الذّنوب يخبرهم بما أخفوا من التّكذيب والذنب « 2 » . وأمّا ما عن أمير المؤمنين عليه السّلام ، في ( نهج البلاغة ) من قوله : « وبما في الصّدور تجازى العباد » « 3 » . فالظّاهر أنّ المراد أنّ العباد بنيّاتهم يجازون على أعمالهم ، فمساقه مساق قوله صلّى اللّه عليه وآله : « الأعمال بالنّيّات » « 4 » . وتوضيح المرام أنّ حسن الأعمال والعبادات وقبحها ، دائران مدار القصد والنّيّة ، لوضوح أنّ ضرب اليتيم بقصد التأديب حسن ، وبقصد الإيذاء قبيح ، وكذا الكذب بقصد الإصلاح حسن ، وبغيره قبيح ، والعبادات بقصد الإخلاص تكون حسنا ، وبقصد الرّياء والسّمعة تكون شركا وقبيحا . فظهر أنّ حسن الأعمال وقبحها بحسب النّيّات التي في الصّدور ، فالاعتراض على الإمامية - تمسّكا بإطلاق الآية المباركة - ناشئ عن عدم فهم السّنّة وعدم التمسّك بالثّقلين اللذين [ هما ] كلّ مبيّن للآخر . ثمّ قرّر سبحانه تعالى سعة قدرته وأكّدها بقوله : وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من المحاسبة ، والتّعذيب ، والمغفرة ، وغيرها ممّا يكون في حيّز الإمكان قَدِيرٌ ولا قصور في قدرته ، ولا مانع عن نفوذ إرادته . روى الطّبرسي رحمه اللّه في ( الاحتجاج ) ، عن أمير المؤمنين عليه السّلام ، في ضمن بيان قصّة المعراج : « فكان

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 7 : 125 . ( 2 ) . تفسير الرازي 7 : 126 . ( 3 ) . نهج البلاغة : 103 / الخطبة 75 ، تفسير الصافي 1 : 286 . ( 4 ) . التهذيب 1 : 83 / 218 .